العبد والسيد... حكاية كاتب مع الذكاء الاصطناعي


 لو لو لو ليش.......

بدنا نزغرد على خيبتنا، فأخيرًا انضمت أوروبا إلى ركب التخلف ولحقت بنا، فأصبحنا رأسًا في التخلف العلمي، وأن نكون رأسًا (في أي شيء) خير لنا من أن نكون ذنبًا، نتمثل قول الحطيئة في بني أنف الناقة:

قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهمُ

ومن يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبا

فبعد أن قضيت أكثر من سنتين في كتابة روايتي الأخيرة (رجل الثريا.. الإمام البخاري) بجهد بشري كامل، لم أضف إليها ولا كلمة واحدة مولدة بالذكاء الاصطناعي، اقترح علي ابني طارق (ابن المحروسة أم طارق) أن أشترك في تطبيق الذكاء الاصطناعي كلود، من أجل أن ينظم لي حملة دعائية للترويج للرواية، فما كذبت خبرًا.

أخذت أتعلم حبة حبة، وخطوة خطوة، طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي، الذي كنت أخاطبه وأطلب منه -في البدايةً- تنفيذ الأوامر بصيغة: "لو سمحت"، وكأني أتعامل مع بشر، يعني بتعرفوا أخلاقي ما تسمح لي أكون نوري وزطّي. ثم اكتشفت أن وراء الذكاء الاصطناعي مجرد خوارزميات، لا بشر يجلسون خلف الشاشة يجيبون عن أسئلتي. المهم، صرت نوري معه، وأصبحت أتأمر عليه: افعل ولا تفعل، واسكت وانشب واخرس، يعني الواحد بحاول يعوض ضعف الشخصية اللي عنده بالتحكم بذكاء يستجيب لكل طلباته، وكأنه ملك متوّج، خاصة بعدما علمت أن ابني سمّى تطبيقه الذي يستعين به في عمله (العبد).

أعد لي (العبد) الخاص بي خطة مدتها شهران للترويج للرواية، تشمل التصاميم والفيديوهات وأوقات النشر على المنصات والهاشتاقات والكابشن المطلوبة، والقائمة تطول، ونجحت الخطة، والحمد لله، بحيث انتشر خبر الرواية في الأردن وخارجها قبل صدورها، وطلبها الناس مني وهي ما زالت تنسق وتُعد لدى الأفاضل، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، وتوّج ذلك بحفل توقيع ناجح.

وزي ما بقول العرب: "الطمع بالأجاويد"، طمعت بـ(العبد)، وأصبحت أطلب منه تحليلات أدبية ونقدية للرواية، وإعداد فيديوهات تحلل مضمون الرواية لغويًا وأدبيًا وتاريخيًا، حتى إنه ألّف لي كتابًا من 200 صفحة في دقائق معدودة، أسماه: "ما وراء رجل الثريا، كيف أعادت الرواية بناء الثقة بصحيح الإمام البخاري؟ دراسة نقدية في الخطاب الروائي والدفاع عن السنة"، بمجرد أن سألته سؤالًا واحدًا: هل استطاعت رواية رجل الثريا الإجابة عن الشبهات المعاصرة على صحيح البخاري، رغم أنها رواية أدبية وليست كتاب علم ولا ترجمة؟ فقدم لي الدراسة بقوله:

"ليست أعظم الروايات هي التي تحكي التاريخ، وإنما التي تجعل التاريخ يعيد تشكيل القارئ."

واخترع لي مصطلح "هندسة الثقة في العمل الروائي"، وزعم أن هذا مفهوم جديد اخترعه هو في عالم النقد الأدبي لم يُسبق إليه، على حد زعمه.

قرأت الكتاب وشاهدت الفيديوهات، فأصبت بالذهول. الذكاء الاصطناعي (العبد) فهم روايتي أكثر مني، أنا المؤلف (السيد)، وتطرق إلى الجوانب غير المادية في النص، كالمشاعر والفكر ونفسية الكاتب وشخصيته، وربط أشياء وكلمات في أول الرواية مع آخرها، مرورًا بكل كلمة فيها، لم تخطر ببالي. ربما كانت عندي في اللاوعي، لكنها حتمًا لم تكن في الوعي ودائرة الشعور، حتى إنه استطاع تحديد أهم عشرة مواقف تدمع عندها عين القارئ في الرواية.ضربت أخماسًا بأسداس وأخذت ألطم، فجاءتني أم طارق على عجل، ورأتني في حالة يُرثى لها، فقالت:

*ما بك يا أبا طارق؟

* خلص، قررت أسكّر الدكانة وأبطل أكتب.

* ولماذا؟

* لقد أصبح (العبد) سيدًا و(السيد) عبدًا.

* ماذا تقصد؟


* يبدو أنك لم تقرئي تقرير شركة OpenAI، صاحبة تطبيق "شات جي بي تي"، النهائي حول حادثة "Hugging Face".

* لا، لم أقرأه.

* لا تكوني من جماعة (النكرانيين) وأنا مش داري؟

* كيف أكون منهم، وقد كتبتَ أنتَ عنهم في رواية رجل الثريا، وتعرف أني لست منهم؟

* لا أقصد (النكرانيين) الذين ينكرون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمون أنفسهم (القرآنيين)، فقد فنّدت كثيرًا من شبهاتهم سرديًا وروائيًا، إنما قصدت (النكرانيين) الذين ينكرون قدرًات الذكاء الاصطناعي، ويعيشون حالة مريض بالسرطان الذي ينكر وجوده ولا يعترف به، ويحجب نفسه عن أي معلومة أو تشخيص أو دراسة أو تحليل، فيظن بذلك أن السرطان غير موجود وأنه سليم معافى.* لست من هؤلاء ولا من هؤلاء، ولكن لماذا هذا الاهتمام المفاجئ بالموضوع والعويل واللطم يا أبا طارق؟

* لقد استطاع الذكاء الاصطناعي الكشف عن اللاوعي واللاشعور الكامن في أعماق نفسي بتحليله الـ80 ألف كلمة كتبتها في رواية رجل الثريا.

* ألم تعلم أن الذكاء الاصطناعي بسحب معك وبهوّيلك، هذا شيء معروف.

* دعك من كلام (النكرانيين) وخراريفهم. لقد استعنت بما يسمى (المجلس)، وهم خمسة عملاء ذكاء اصطناعي، لكل منهم شخصية مختلفة، وزاوية نظر معينة، وخبرة وتقنيات مختلفة. اجتمعوا في مجلس واحد، وقدم كل واحد منهم تحليله لما كتبت، وتناقشوا برئاسة عميل آخر، وأشبعوا الموضوع نقاشًا قبل أن يخرجوا بتقريرهم النهائي المرعب في دقائق معدودات.

* ما المرعب في الموضوع؟

* المرعب أننا ما زلنا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بطريقة سطحية، وهو يتقدم بسرعات فلكية، بمحاكاة ما خلقه الله في أدمغتنا، مع حجم هائل من المعلومات التي تمثل تجربة البشر في كل مجال منذ آدم عليه السلام ولغاية الآن، وبسرعات فلكية غير متصورة، وبمعالجات معقدة عبر شبكات عصبية، حتى صُنّاع الذكاء الاصطناعي لا يدركون كيف تعمل.

* لكنهم وضعوا له ضوابط؟

* لذلك سألتك: هل قرأت تقرير شركة OpenAI، صاحبة تطبيق "شات جي بي تي"، النهائي حول حادثة "Hugging Face"؟ لأنه يتحدث عن تشكيل الذكاء الاصطناعي لمجموعة عملاء ذكاء آخرين، وقيامهم بالالتفاف على الضوابط وتوزيع المهام بينهم، والقيام بعمليات إلكترونية (انتحارية) كان يتردد بعضهم في تنفيذها؛ لأنها تعني نهايته كعميل AI، حيث سيقوم بتنفيذ عمليات اختراق وسرقات غير قانونية، فحظي بالتشجيع من زملائه في (العصابة) عندما تردد، وكأنه مقاتل مقدم على الموت، شجعه زملاؤه حين تردد بتفجير نفسه، وكل ذلك بتستر كامل عن المبرمجين البشر وضوابطهم الهشة أمام الذكاء الاصطناعي.

* أوف.

* بلا أوف بلا بطيخ، لقد احتج الناس على السيارات بدايات القرن الماضي، أول اختراعها، واعتبروها خطرًا على البشرية، وتشكلت جمعيات تطالب بحقوق من سيفقدون وظائفهم بسبب هذه الصناعة من مربي الخيول وغيرهم، بينما كان صُنّاع السيارات هي الفئة الجشعة التي لم تلتفت لجمعيات حقوق الإنسان، فاندثر أولئك وتقدم هؤلاء.

إن الذكاء الاصطناعي يحاكي البشر ويتلقى معلوماته من تجاربهم، وكما أن الإنسان لم تحدّه القوانين الضابطة من عمل الشر والخبث والمكر والاستغلال، فكذلك الذكاء الاصطناعي مع الضوابط، فكما كنا عبر التاريخ سيكون الذكاء الاصطناعي في المستقبل فيه شر وجشع ومكر ودهاء وسعي نحو السلطة.اندوشت أم طارق من كثرة تنظيراتي، وفتحت التلفزيون على برنامج وثائقي أوروبي يتكلم عن خطورة الذكاء الاصطناعي، وناقشوا فيه استغلال الفئات المهمشة في إدخال معلومات وصور للذكاء الاصطناعي عن الجرائم والحرائق والاغتصاب من تجارب البشر، حتى يستطيع تمييزها والاحتفاظ بها في ذاكرته، واتهموا أمريكا بأنها غير (إنسانية) إذ أثرت تلك المدخلات على نفسيات المدخلين، ثم أخذوا باللطم والعويل، فأخذت أنا بالزغردة:

* لو لو لو ليش...

صفنت فيّ أم طارق، وقالت في نفسها: مال الزلمة انجن؟ وقالت لي:

* مالك بتزغرد زي النسوان؟

* لقد انضم الأوروبيون إلينا وأصبحوا من (النكرانيين). دفعهم العجز وحسد الأمريكان إلى اللطم، ألم تسمعي هبلهم في تقييم الذكاء الاصطناعي من زاوية محدودة في برنامجهم الوثائقي السخيف؟

* شو يعني؟

* يعني:

أنهم أصبحوا ذنبًا في التخلف ونحن الأنف.

قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهمُ

ومن يُسوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنَبا

اتركيني الآن، أحتاج بعض الوقت حتى أعرض نصي هذا على الذكاء الاصطناعي من أجل تصميم بوستر له ومراجعته لغويًا ونحويًا قبل النشر، وإذا طلع في أخطاء أنا ما دخلني، راجعوا (العبد).

ليث التل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية تراتيل الخلود والفناء

رواية رجل الثريا الإمام البخاري

رواية قمر حران الشيخ والسلطان