المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2018

كل أصفر فيه أزعر

 أصابعه المرتعشة ربما تسعفه في هذا السن المُتأخر على قيادة سيارة التكسي، وربما تساعده على تدبر أموره الشخصية، والأكيد أنه استطاع بها مداعبة شعر بُنيته الصغيرة، آخر العنقود بعد تزويج ثلاث قبلها، وأربعة أولاد دَرَّسَ بعضهم ومنهم من ينتظر، لكنها لم ولن تسعفه كما قدرًاته الذهنية؛ في استخدام تطبيقات التكسي الذكي، التي لا زال ابنه الأصغر يُعلمه عليها مذ ظللت أوبر وكريم بكرمهما عِلْيَة القوم، فأمطرتهم بثروة جديدة، تضيف رقما جديدا إلى الملايين التي لم تعرف طريقها إلى رعاع الناس وعامتهم قط. كان يُصانع أهله أنه أتقن استخدام التطبيق المتجدد، مُطمئنا إياهم بمواكبته لسنة الحياة في تطورها وتبدلها؛ وأنه لا زال قادرا على توفير حياة كريمة، في حدها الأدنى كالأيام الخوالي، ولكن قلقهم عليه وتفتيشهم وراءه، كشف كذبته البيضاء، بعد أن ذهبت طلباتهم إياه عبر التطبيق الذكي إلى غياهب النسيان، ولم تقنعهم تسويغاته بانتهاء شحن الخلوي أو ضعف شبكة الاتصال. تذكر أباه الذي حلَّت به الأيام مكانه، مبررا لنفسه؛ مضيفا إلى ترسانة مصطلحاته التي يُنَظِّرُ بها على ركابه، حكمة جديدة : (اللي قبع قبع واللي ربع ربع) وأنه (ما طا...

فأحسن لقاءها

 تاقت نفسه إليها، توق الطيور المُهاجرة إلى أعشاشها، خيطٌ أثيري لا ينفك يُلازم الطيور ويُلازمهُ، يمتد لآلاف الأميال يشدُّها إلى مسقط رأسها، وكما سيُعيده ذاك الخيط يوما، تعود الطيور بعد أن تقضي وطرها بعيدا عن مُبتدئها ومُنتهاها، فما هجرتها إلا استراحة مسافر استظل ثم مضى، وهو مُستظلٌ بعدُ، وما مضى. كان الناس ينظرون الشروق، واعتاد هو مذ أبصر، أن يُعطي الشمس ظهره كل صباح، يتسلل من بينهم تسلل مُخفي العبرات أن ينتهك أحدٌ حرمتها، وما أن يفصله عن رق الأصدقاء بون، وعن صخب الكون شط، حتى يختلي بشجرته التي كان يُظلها صغيرا، فأمست تُظله كبيرا، سقاها دهرا دموع عينيه، ورعاها زمنا كد يديه، يُيَمِّمُ وجهه غربا، يجلس في حضن شجرته التي مهدتها سنون، ويَنعمُ بأُنسها الذي نسجته شُجون. يُطيل النظر كل صباح، علها تأتيه من يومه أو غده، ورغم بعد الشقة، إلا أنه مدَّ أمله فسيحا في انتظارها، سَميرتهُ شجرتهُ، صَلُبَ عودهما تناغما، وأينع عطاءهما توافقا، فظللت أوراقها المستظلين، وروى هو بماءه العابرين، فكانا رفيقا درب وشريكا مصير. لم يلتفت لتعدد الأراء في وصفها، وأيقن أنها الكمال، كتمام البدر في سطوعه، هم؛ في غيهم ...

وأزهر الخريف

كان التقاء شَقَّيها محتوماً، فكانت بُشرى حياته، نُسِجَ بعثها مُذ قال الودود الرحيم : "ألست بربكم"، غَنَّت الورودُ لقدومها، وعَطَّرت الأجواءَ أنفاسُها، قبل إحدى عشر ربيعا وخريف واحد، ولدت، فكانت منه بمثابة الروح من الجسد، وكان منها بمثابة الشجر إلى الظل، وهل للروح مستقر ٌ إن لم تطف بجسدها، وهل للأنام مُستظلٌ من كَدِّ الحياة إن فارق ظل الشمس شجرها. خبأ الخريف حَتَّ أوراقه وتساقطها عن ربيعها لموسم الأخذ بالمظنة، فداهم ظل أبيها الوارف، وكورق الخريف تساقطت عبراتها، وكَقِرَبِ السماء المُمسكة عبر الأيام كَظَمَ هو عبراته، تباعدت الأجساد، فأمست هائمة الروح سارحة النفس، لا تستقر إلى مستودعها إلا في دقائق زيارتها الأسبوعية، حيث لا ضوء هناك آخر النفق، فما بُنِيَ على الظن فهو إلى الشك أقرب، فلا زهر في آخر خريفه يُنتظر، ولا يقين بموعد أُفوله يُرتجى. زجاج عنابر الزيارة في السجن كالحلم، يفصل بين عالمين ويحول بين مُتَحَابَّيْن، ففي الحلم ترى عزيزا عليك مات منذ زمن، يَتَفَلَّتُ طَيْفُهُ من بين يديك، تستيقظ على حقيقة وجوده هناك وراء البرزخ، ومن وراء الزجاج تتلاقى المُقل المُتلألئة والقلوب الملت...