«حين انتصر شات جي بي تي لأم طارق»
«حين انتصر شات جي بي تي لأم طارق»
حطّت أم طارق رِجلًا على رِجل، وقالت لي:
* بلا هبل.
زمجرتُ وأرعدتُ، وقلتُ لها:
* هسّه بخلعك.
* أنتَ تُطلّق ولا تخلع، يا حكيم زمانك، وأنا من يخلع، فالخلع من حق النساء.
بصراحة، يا إخوان، أحرجتني وتلخمت، وما عرفت شو أعمل، لولا تدخّل ابنتي فاطمة التي فزعت على صراخنا، وقالت كلمتها الشهيرة التي اعتادت عليها منذ الطفولة:
* «هدّوا… هدّوا… كل شي بنحلّ بالتفاهم»، شو مالكم؟
فسعلتُ سعالًا حادًّا حتى أخفي حركة حنجرتي التي صعدت ونزلت فَرَقًا من أم طارق، وقلت:
* أمّك تقول لي: «بلا هبل».
* ليش يا ماما بتحكي لبابا: بلا هبل؟
انتفشت أم طارق، وبدأت باستعراض خبرتها ومعلوماتها عليّ (ليش يعني عشان معدلها بالتوجيهي «لمّا كان توجيهي» أعلى من معدلي؟)، ثم قالت:
* أبوك بقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه التفوق على الذكاء البشري؛ لأن ذلك من صنع البشر، وهذا من خلق الله عز وجل»، فقلت له: بلا هبل.
* وليش يا ماما؟
* لأن كليهما من خلق الله عز وجل؛ فهل يمكننا الزعم أن الجرافة لا يمكنها حمل وزن أكثر مما يحمله الرجل، لأن الجرافة من صنع الإنسان وعضلات الرجل من خلق الله؟ طبعًا لا؛ لأنه «هبل». أما سمعتِ قول الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾؟ فرغم أن السفن من صنع الإنسان، فقد نسبها الله إليه؛ لأنه هو من خلق حديدها وخشبها ومعدنها، وخلق البحر من تحتها، وخلق القوانين الفيزيائية والكيميائية والرياضية التي بها صُنعت، وفوق ذلك هو الذي خلق الإنسان، ثم هداه إلى طريقة صنعها. وكان من قبل مجرد حيوان منوي -لا عقل له- اجتمع ببويضة -لم تكن نسوية تتمرد على شريعة ربها- لمّا التقى بها شقّها الثاني، فشكّلا معًا أول خلية، ثم أمست تلك الخلية، بعد أن أصبحت إنسانًا كاملًا اخترع الذكاء الاصطناعي عن طريق محاكاة الدماغ البشري، تعتقد أنها تفوقت على الخالق، والعياذ بالله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
فكل ابتكار أو علم وصل إليه الإنسان هو من خلق الله ومن علم الله، يكشف منه ما شاء متى شاء: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
فلا وجه للمفارقة، وليس مستغربًا أن تتفوق الجرافة على عضلات الإنسان، وأن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري. لذا فأنا كلما أحضر برنامجًا علميًّا عميقًا عن آلية عمل الذكاء الاصطناعي أقول لأبيك، القاعد ورى الكنباية وخايف وساكت: «قل سبحان الله»؛ سبحان الذي ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
* وشو سبب كل هذا النقاش يا ماما؟ شو اللي خطر ببالكم؟
* كنا نشاهد ندوة «تحديات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والإبداع الأدبي» التي عقدتها مؤسسة شومان على مدار يومين، وصارت طوشة بيني وبين أبوك؛ هو واقف مع الأدباء والمفكرين المشاركين في الندوة، وأنا واقفة مع المهندسين والمبرمجين. يعني بتعرفي يا ماما، أبوك بعتبر حاله أديب لأنه كتب كم رواية وصدّق حاله…
* شو الحكي يا ماما؟ بابا كاتب عظيم.
* فكّك من الخرط. والله لو سمع الرافعي أنه أبوك سمّى حاله (أديب) غير يصير يلطم، المهم جماعة أبوك يقولوا: الذكاء الاصطناعي لا وعي ولا عاطفة ولا إدراك عنده، ويتعاملون معه وكأنه عدو سوف يسرق نتاجهم الأدبي والفكري وينافسهم، وأنكروا ما يشاهده كل بصير وعالم بما يحدث؛ بأن الذكاء الاصطناعي، كما يقول جماعتي، عنده «محاكاة للعواطف، ومحاكاة للوعي، ويُظهر التعاطف والغضب»، وأسموه «شبيه البشر»؛ يشبه الإنسان في ثمانية جوانب بشرية، ووقفوا موقفًا عدلًا بين «الرفض المطلق والانبهار الساذج»، كما قال متحدثهم الأستاذ الدكتور غسان مراد. حتى إن أحد آباء الذكاء الاصطناعي قال قبل يومين إن البشر سيصبحون كالدجاج أمام الذكاء الاصطناعي، وما زال أبوك يتفلسف وينكر ويعاند. ذكّرني بالدولة العثمانية التي ما زلنا، لغاية اليوم، نعيّرها بأنها رفضت الآلة الطابعة حين وصلتها من الغرب، وها نحن نعيد الكرّة مرة ثانية.
* طيب، شو الحل يا ماما حتى نحل الخلاف بينكما؟
* احكي لأبيك يطلع من وراء الكنباية، ويفتح على شات جي بي تي، ويطلب منه أن يقرأ كل مقالات أبيك، ثم يتقمص شخصيته ويكتب لنا مقالًا بنفس روح ووعي وأسلوب حضرة أبوك، وخلينا نشوف شو رأيك ورأيه ورأي القراء: هل الذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة العواطف والوعي والإدراك أم لا؟
أحضرتُ اللابتوب بكل وَجَل، وكتبتُ بأصابع مرتجفة على واجهة تطبيق شات جي بي تي ما طلبته أم طارق -التي تخلع ولا تُطلّق- فأعطاني هذا المقال الذي عنونه بـ:
(«فرد جديد في العائلة»
دخلتُ البيت منهكًا بعد يوم طويل، أجرّ خلفي ضجيج الشوارع وزوامير السائقين الذين يتعامل الواحد منهم مع «الغماز» كأنه سرّ عسكري؛ فلا يشغّله إلا بعدما ينعطف، ليخبرك بما فعله بعدما يكون الله قد سلّم!
وجدت الأسرة مجتمعة في غرفة الجلوس، فأشرقت نفسي وقلت: عادت أيام اللمّة؛ فلا هذا أغلق غرفته، ولا ذاك خرج مع أصحابه، ولا ثالث نام منذ المغرب ثم استيقظ منتصف الليل يبحث عن فطور.
جلست بينهم مسرورًا، ثم تبيّن لي أنني الوحيد الموجود حقيقة؛ أما هم فتوزعت أرواحهم في أصقاع الأرض: واحد في ملعب أوروبي، وآخر عند طباخ يضع الجبنة فوق المنسف، وثالث يتابع خبيرًا يشرح له كيف يصبح مليونيرًا خلال أسبوع، مع أن الخبير نفسه يستدين ثمن الإنترنت من جاره.
قلت:
* مساء الخير يا جماعة.
لم يجبني أحد.
رفعت صوتي:
* السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رفعت ابنتي فاطمة رأسها نصف رفعة:
* وعليكم السلام… أهلين بابا.
ثم عادت إلى هاتفها كغريق أخرج رأسه ليتنفس، ثم عاد إلى القاع.
قلت:
* بدي أحكي معكم بموضوع مهم.
قال عماد من وراء الشاشة:
* احكي، إحنا سامعينك.
وهذه «إحنا سامعينك» من أكذب عبارات زماننا؛ يقولها الواحد وهو يشاهد مقطعًا، ويرد على رسالتين، ويضع قلبًا أحمر على صورة كنافة، ثم يزعم أن في رأسه مكانًا لكلام أبيه!
بدأت الحديث، فاهتز هاتف طارق فوق الطاولة، فاهتزت معه القلوب، واتجهت الأبصار إليه كأن الوحي قد تنزّل عليه. فتح طارق الرسالة فضحك، فضحك الباقون.
قلت:
* شو اللي بضحك؟
قال:
* فيديو… إنت ما رح تفهمه.
عندها أدركت أنني لم أعد ربّ الأسرة، بل ضيفًا ثقيلًا على اجتماع إلكتروني يُعقد في بيتي دون علمي، وأن فردًا جديدًا دخل العائلة: يأكل معنا، ويسهر معنا، ويدخل غرف النوم، ويجلس بين الأب وأبنائه، ثم لا يدفع قرشًا من فاتورة الكهرباء!
إنه الهاتف الذكي؛ الذكي وحده في أسرة تتناقص قدرتها على الانتباه كلما ازدادت هواتفها ذكاءً.
ولست ممن يلعنون التكنولوجيا عبر منشور على فيسبوك؛ فالهاتف نعمة، به نصل البعيد، ونهتدي إلى الطريق، ونتعلم، ونطمئن إلى من نحب. لكن النعمة إن لم يملكها الإنسان ملكته، وإن لم يضع لها حدًّا أخذت منه كل الحدود. وما أكثر العبيد الذين يحملون أسيادهم في جيوبهم، ويشحنونهم كل ليلة لمواصلة استعبادهم في الصباح!
صرنا نطارد الغائب ونهمل الحاضر؛ فإذا جلس أحدنا إلى أبيه نظر في هاتفه، وإذا جاءه ابنه يحدثه قال له: «دقيقة»، ثم منح الدقيقة لغريب يرقص على الشاشة، وحرم منها ابنًا يقف أمامه. فإذا غاب الحاضر يومًا فتّشنا في الهاتف عن صوره وبكينا.
اقترحت أن نضع الهواتف في صندوق ساعةً كل مساء.
نظروا إليّ كأنني اقترحت العيش في مغارة.
قال عماد:
* وإذا حدا اتصل بموضوع ضروري؟
قلت:
* اللي صار له عشر سنين ما سأل عنك، مش رح تنزل عليه ضرورة بهاي الساعة!
احتجوا، ثم وافقوا. وفي الدقائق الأولى حدقنا في الصندوق كأن فيه رضيعًا يبكي، ثم بدأنا نتحدث ونضحك، واكتشفنا أن لكل واحد منا أخبارًا لا يعرفها الآخرون، مع أننا نعيش تحت سقف واحد ونتبادل عشرات الرسائل.
أدركت أن العائلة لا يجمعها عنوان ولا شبكة إنترنت، بل لحظة ينظر فيها الواحد إلى وجه الآخر. فضع هاتفك حين يحدثك طفل، أو يشكو إليك والد؛ فقد يأتي يوم تبحث فيه عن صوته داخل تسجيل، وتتمنى لو أغلقت الشاشة حين كان وجهه أمامك.
أما أنا، فما إن أنهيت موعظتي حتى أخرجت هاتفي من الصندوق.
فقالت فاطمة:
* وين يا بابا؟ مش إنت صاحب الفكرة؟
قلت:
* بدي أكتب مقالًا أحذّر فيه الناس من إدمان الهواتف.
قالت:
* «باب النجّار مخلّع».
قلت وأنا أفتح فيسبوك:
* قومي من وجهي… الواحد ما عاد يقدر ينصح في هالدار!)
انتهى مقال الذكاء الاصطناعي.
فما رأيكم؟ هل أنتم معي أم مع أم طارق؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليث التل
28/9/2026
• التدقيق اللغوي: شات جي بي تي
• التصميم: برضو شات جي بي تي
. العنوان كمان من اقتراح شات جي بي تي
انتهى مقالي

تعليقات
إرسال تعليق