سب الرب .. حين يبصق الإنسان على نفسه
رفع رأسه إلى السماء، وتفل عليها احتجاجًا على القدر ـ والعياذ بالله ـ فسقطت بصقته، وعادت تلطّخ وجهه النجس ورأس الحمار الذي يحمله فوق كتفيه؛ حين لم يُعمل عقله ويتفكر في عظيم صنع الله وعظيم منّته عليه بالخلق والرزق والصحة والإسلام ـ الذي -خرج منه- فلم يحمده على آلاف النعم التي رزقه الله إياها، ونسب إلى الله عز وجل الشر ـ تعإلى عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ
الشر الذي كان من صنع يديه، متناسيًا، عن سبق إصرار وتعمد، أن للحياة قوانين وسننًا وأقدارًا، فلكل نتيجة سبب. لولا تلك المعادلة لخرب العمران، وأصبح الناس همَلًا لا يحكمهم قانون ولا شريعة ولا نظام، واختلطت الأسباب بالنتائج والنتائج بالأسباب، فلا يدري عاقل ما يفعل لتحقيق هدفه، وتصبح معادلة واحد زائد واحد تحتمل ألف إجابة؛ ربما تكون 2، وربما تكون 7، أو 453، وهكذا دواليك.
فلكل شر أصابه أو أصاب أحدًا من البشر سبب، وجب البحث عنه حتى تستقيم الحياة؛ فيتعلم الطبيب ماهية المرض ليكتشف العلاج، ويتعلم المهندس سبب الخراب ليحسن البنيان، ويتعلم المزارع أسباب الآفة ليحصّن محصوله، ليأكل الناس، ويتشافى المرضى، وتُعمّر الأرض.
نسب ذلك الكاره لنفسه الخير إليها، رغم أنه لم يفعل شيئًا حتى يكون له يد أو رجل، أو ترليونات الخلايا التي تعمل في جسده ليل نهار لتقوم على شأنه، وهو عنها غافل، لا يعلم بها ولا يتذكرها إلا إذا حرمه الله من صحته شيئًا، حتى يعود إليه ويشكره عليها. ونسب ذلك الذي قال الله فيه: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ"، نسب الأرض والسماء وما فيهما من حيوان وجماد وماء وزرع وهواء ومعادن، والقائمة التي لا تنتهي من المخلوقات التي سخّرها الله للإنسان: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" ليقوم بالأمانة التي تقتضي عبادة الله وتوحيده: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"، نسب كل ذلك إلى الطبيعة.
أليس الأولى، أيها الأحمق، أن تشتم الطبيعة إن أصابك الشر، بدلًا من أن تشتم الله، إذ نسبت إليها الخير؟!
ظلمات بعضها فوق بعض؛ لا عقل ولا عدل في الدنيا، ولا جنة ونعيم في الآخرة؛ إنما حمق، ثم نار، والعياذ بالله.
جاءت هذه المقالة بعد مشاهدتي لبودكاست الدكتور إياد القنيبي، الذي أنصح بمشاهدته بشدة، والمعنون بـ "سب الرب!! .. النداء الأخير"، والذي جاء ضمن حملة "تعظيم الرب والدين" المباركة.
فما كلماتي في هذه الحملة إلا بضاعة مزجاة أضعها بين يدي الله، حتى لا يُنزل عليّ وعلى أهلي غضبه، إذ سكتنا عن سب الله المنتشر في المجتمع "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ"، وهذه دعوة لكل مؤمن ومسلم أن يشارك في هذه الحملة، فرب كلمة تنقذ نفسًا من النار، ومن أجل أن يكون هذا العمل مستنكرًا في المجتمع، فلا يجرؤ عليه متجرئ.
وفي هذا الصدد ألفت الآنتباه إلى أن الوقوف في وجه من يقوم بهذا العمل له ضريبة ليست سهلة؛ كأن تتعرض للضرب من الشاتم أو تُسجن كذلك النائب، لكن اعلم أنك أحق بالأمن من الشاتم: "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"، ومن وجه آخر، فربما يقدّر الله لك نصرًا مباشرًا على الشاتم، أو دفاعًا عنك من لدنه: "إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا"، أو يدّخر لك ذلك يوم الدينونة الكبرى، يوم تكون أحوج ما تكون إلى نظر الله إليك، بأنك أنت من غضب له عز وجل، وهو الغني عنك وعن الخلق.فقد حدثني من أثق به أن طالبًا في مدرسة ابتدائية، أيام المدارس الابتدائية، وقف في وجه طالب «أزعر» شتم الله، فتعرّض لضربة في خاصرته كادت تفتت كبده، لكن وقعها على نفسه كان كاليد الحانية؛ إذ كانت في سبيل الله.
وحدثني آخر أنه كان في صالون حلاقة، يجلس على كرسي الحلاقة، يوم دخل «ضرّيب أمواس» إلى الصالون وأخذ بشتم الله تعإلى عن ذلك علوًّا كبيرًا، فصرخ به مستنكرًا، دون أن يشاهده أو يعرفه، أنه مجرم أزعر؛ كردة فعل طبيعية حركتها فطرته السليمة.
فما كان من ذلك الكاره لنفسه إلا أن هددوتوعد، وتربص به على باب الصالون، منتظرًا خروجه كي «يشطب» وجهه.
أكمل محدثي قوله:
فخفت خوفًا شديدًا، ولم أدر ما أفعل. هل أتصل بإخواني؟ أم أتصل بأولاد عمي فيفزعوا لي؟ أم أتصل بالشرطة؟ فلم يبقَ على انتهاء الحلاقة إلا دقائق، ثم فتح الله عليّ، فناجيته عز وجل وقلت له في سري: "يا رب، أنت أقوى من إخواني وأولاد عمي ومن الشرطة، وأنا ضعيف البنية، لا أقوى على مواجهة هذا المجرم، وما فعلته إنما كان غضبًا لك، فتدخل يا رب؛ فأنا أستقوي بك، وأنا في كنفك، فافعل ما شئت، وأنا راضٍ بما قدّرت"
فأحسست بالأمن، وكنت أحق الفريقين بالأمن، فخرجت من الصالون ليس معي إلا هو، عز وجل، ونِعم به ربًّا مجيبًا. فجاءتني قوة عجيبة، فصرخت به:
- هل شتمت أباك أو أمك؟
فأجاب وكأنه دجاجة:
- لا.
- إنما صرخت عليك لأنك شتمت الله، ولم أصرخ عليك لأنك شتمتني. فالأمر بينك وبين الله، وليس بيني وبينك، فإن أردت تهديدي وضربي، فهدد الله واضربه إن استطعت.- ....
أخرسه الله، فلم يجب، وتولى مهزومًا مخذولًا.
وحدثني ثالث:
أنه بينما كان يصلح سيارته في مركز صيانة محترم، ويجلس في قاعة الآنتظار، قام المدير الجالس على مكتب فاخر بشتم الذات الإلهية بعد أن غضب من أحد العمال، فنهض إليه صاحبنا، وجلس أمام مكتبه بكل هدوء، وأخرج بطاقة تعريفه الشخصية وناولها إياه، وقال له:
- أنا فلان ابن فلان ابن فلان، واسم أمي فلانة بنت فلان ابن فلان. فإن أغضبك موقف في قابل الأيام، فأخرج بطاقتي التعريفية وتذكرني فعِرضي مستباح لك؛ فاشتمني، واشتم أبي وجدي، واشتم أمي بما شئت من الألفاظ والمنكرات، ولكن لا تشتم ربي وربك عز وجل.
فأطرق رأسه خجلًا.
فأنت ما بين؛ أن يدافع الله عنك في الدنيا، أو أن تتحمل النتائج ويدّخرها الله لك في الآخرة، أو أن تبيح عرضك غضبا لله
فاختر ما شئت والله المستعان.
ليث التل
تعليقات
إرسال تعليق