(كيف أنقذني أبو حنيفة من الزواج الثاني)
تقدمتُ لخطبة فتاةٍ جديدة بالسر عن أم طارق، السادرة بثقتها العمياء بي، وما علمتْ أن «ياما تحت السواهي دواهي».
اشتغلتْ هي حاليًا بدورات إتقان قراءة القرآن، كما انشغلتْ سابقًا بالبناء المنهجي (ولا يعني ذلك أنني وإياها لسنا على عقيدة السلف الصالح؛ نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولا نعطله، ونعلم أن ليس كمثله شيء، عز وجل، ولنا بعض التحفظات هنا وهناك على البناء المنهجي).
فقلت في نفسي: بما أنها انشغلت بما ينفعها في آخرتها، فلماذا لا أنشغل أنا بما ينفعني في دنياي ويعينني على آخرتي (غير كتابة الروايات)؟ فقررت أن أتزوج عليها بالسر، مستغلًا طيبتها وثقتها المطلقة بي، بخلاف أم الإمام أبي حنيفة التي لم تثق به، وطلبت منه أن يأخذها إلى إمام جامع الحي كي تستفتيه في بعض أمرها، ولم تقتنع بكلام ابنها: (يمّه، والله أنا شاطر، وبعرف أفتي أحسن من شيخ الجامع).
فلم تنفعها عدم ثقتها بابنها، كما لم تنفع أمَّ طارق ثقتها بي (كحال النسوان؛ بنضحك عليهم بسهولة، بخلاف الـ strong and independent women اللواتي يعتقدن أنهن «جابوا الذيب من ذيله»).
قررت أن أستعين بزوجتي الجديدة على آخرتي، كما هو معروف عني أنني شيخ، ولا أرغب بالزوجة الثانية لأي سبب دنيوي، بل هي الآخرة.
تقدمتُ إلى سعيدة الحظ، التي لم يقتنع أهلها بسمعتي الطيبة، فقرروا أن يسألوا عني القيط والقرميط احتياطًا لمستقبل ابنتهم. مشّيتلهم إياها، رغم ما سيمسّني من أذى بسبب ذلك، (بشرط ألا يسألوا أي شخص يمتُّ إلى أم طارق بصلة إلى أن يتم الأمر، بلاش أم طارق تطربق الدنيا على راسي وراسهم إذا عرفت بالموضوع).
ولكني عجبتُ منهم؛ يسألون عني وأنا من أنا! متدين منذ نعومة أظفاري، مهندس قد الدنيا، كاتب روايات عظيم، حنون، لي تاريخ نضالي ضارب في القدم، وخريج سجون لأسباب دينية وسياسية لا جنائية.
صحيح أن لي سيئات كثيرة؛ فقد دهست كلبًا وقتلته أيام زمان، وسرقت من جيب أبي عشرين قرشًا، ومن جزدان أمي ليرةً كاملة مرةً واحدة، وكانت عيني تزيغ هون وهناك أيام المراهقة، وشغلات ثانية أعرض عن ذكرها من باب الستر، الله يستر علينا وعليكم.
لكن رغم كل ذلك، ما بطلعلهم يسألوا عنيّ، بصراحة، فأنا:
أنا ابنُ جَلَا وطلّاعُ الثنايا
متى أضعِ العمامةَ تعرفوني
وضعتُ العمامة في حضرة المحروسة أم زوجتي المستقبلية، فلم يقتنع زوجها، وفصفص سيرتي من أيام الطفولة إلى أيام الشيخوخة؛ من يوم ضربت الكرة بوجه أختي أم صالح، فسالت الدماء من وجهها وأنا لم أتجاوز سن العاشرة، ويوم دخنت عِرق ملوخية ناشف تحت شجرة الخروب في بيت عمي عاطف، رحمه الله، ويوم ذهبت إلى السينما مع محمد نايف الشروف (الدكتور حاليًا في أمريكا) بعد المدرسة، ويوم قرأت أنا وإياه «أحكام النساء» في كتب الفقه، يوم لم يكن غيرها وسيلة للغوص في عالم النساء الجميل ونحن أطفال، وعرف نسايبي الجدد أنني ضربت أولادي الثلاثة مجتمعين يوم شكّلوا عصابة، واستقوى بعضهم ببعض للتنمر على أولاد الحارة.
فجاءني الرد صاعقًا عن طريق وسطاء: أن الجماعة رفضوك!
فكيف سيزوجون ابنتهم من رجل سفك دم أخته، وتعاطى مخدرات الملوخية، ويرتاد السينمات، ويتعرض لعورات النساء في كتب الفقه، ويضرب أولاده؟
فصرخت في وجه الوسيط قائلًا:
لقد علم عمي المرحوم فاروق العقاد، والد (الغافلة عن لعبي بذيلي) أم طارق، بكل هذه السلبيات، ومع ذلك فقد زوجني ابنته، وعلمت بها أندية الكشافة، والأحزاب السياسية، والنقابات، وقبلت عضويتي فيها، وعلم الناخبون في كل انتخابات خضتها بتلك السلبيات، وكنت دائمًا أحصل على أعلى الأصوات، وعلمت بمشاغباتي الجهات المختصة، ومع ذلك أطلقت سراحي بعد أن شدّت أذني بكم يوم حبس.
فما الذي جاء به هذا المتغطرس الذي رفضني؟!
فكل ما عرفه عني علمه من قبله، ومع ذلك لم أُرفض، وكأن حضرته يكتشف العجلة لأول مرة!
فقلت له: (طز)، ومن قال لك إنني كنت أريد الزواج من ابنتك؟! كانت مجرد نزوة عابرة ومضت.
عدت إلى البيت أكتم غضبي، فاستقبلتني أم طارق بكل حب وحنان.
(مش عارف ليش كنت بدي أتزوج عليها؟!)
ولكنها، كعادتها، تعرف فرحي وحزني، وتقرأ همي وقلقي، فسألتني السؤال الصاعق الفاضح:
* ما بك يا حبيبي؟
تلعثمت وارتبكت، ودعوت الله أن يخرجني من هذه الورطة، فأم طارق تمتلك جهاز كشف للكذب بحاستها السادسة، لا يخرّ المي.
فقلت لها، وقد بدأ الفار يلعب بعبّها:
* لا شيء يا حبيبتي، لا شيء… مجرد خلاف مع صديق.
قالت:
* أقلقتني، ما قصة صديقك هذا؟
قلت:
* يحكم على الناس من خلال 10% من سلبياتهم، وينسى 90% من حسناتهم.
فقالت:
* منهج المطففين، ولو اعتمد الناس هذا المنهج، ما تزوج رجل من امرأة، وما قبلت امرأة برجل.
بلعت ريقي، وسعلت بقوة حتى أخفي حركة حنجرتي صعودًا وهبوطًا فرقًا من أم طارق، وقلت:
* صحيح… صحيح يا أم طارق، لكن الموضوع لا علاقة له بالزواج.
رمقتني بطرف عينها كما يرمق الصقر فريسته، وقالت:
* إذًا ماذا؟!
ألهمني الله، بفضله، الخروج من المأزق، فتذكرت من التاريخ الذي «فلفلته» لما كتبت روايتي الأخيرة عن الإمام البخاري (رجل الثريا)، فقلت لها:
* كان الموضوع عن الإمام أبي حنيفة، الذي له أغلاط، كما لكل الأئمة أغلاط، ومن منهم ليس له أغلاط؟! فهل ننسى 90% من أفضاله على الإسلام، ونتذكر 10% من أخطائه، ونحكم عليه من خلالها فقط؟
فقالت:
* ولكن ذلك لا يعني أن نقرّ خطأه فيما أخطأ.
قلت:
* طبعًا… طبعًا، فلا يُقرّ أحد على خطئه، كائنًا من كان، ولكن تذكري أن والدك، عمي فاروق، لو لم ينظر إلا إلى 10% من أخطائي، لما قبل بي زوجًا لك.
فلتة لسان ورطتني!
شو دخل أبو حنيفة بفاروق العقاد؟
تحفزت أم طارق، وقالت بصوت حاد:
* شو قصدك؟
قلت:
* ولا إشي يا حبيبتي، كل قصدي إنه ابن تيمية، بتتذكريه؟ الذي كتبت فيه رواية (قمر حران)، كتب كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وسمى أبا حنيفة إمامًا، رغم أنه حذر من إقرار المخطئ على خطئه.
فقالت:
* لَعاد، لويش هذول اللي طالعين لنا بالسحبة عاملين لنا هُلّلة على تلغرام؟ تركوا الدنيا كلها، ودقّوا بأبي حنيفة؟
بلعت ريقي وأنا بقول:
* مش عارف، والله ليش.
فقالت:
* وجب عليهم التبيان، ومن اتُّهم بتبديع الأئمة الأعلام وجب عليه البيان.
فالسكوت في موضع الحاجة بيان.
ونحن ننتظر.
أجبتها وأنا في غاية السرور؛ إذ حوّلت الموضوع إلى ما هو أخطر: (التبديع بالجزئيات، ومخالفة سلف الأمة في طريقة التعامل مع الأخطاء، وخربطة أولويات الأمة، والتعالم، والغلو، والمزاودة على ابن تيمية ممن يزعم أنه من تلاميذه)، وأكون بذلك قد نفذت من قصة الزواج الثاني.
فزدتها من الشعر بيتًا، وقلت:
* تخيلي لو أننا تعاملنا مع أخطاء معاوية بن أبي سفيان، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، والكثير من الصحابة غيرهما، بالمنهج نفسه؛ فلن يبق لنا لا دين، ولا تاريخ، ولا سيرة.
استغربت زوجتي من اندفاعي في الموضوع، ولكن طيبتها غلبتها.
فنجوت أنا من أم طارق…
ولم ينجُ الأئمة الأعلام من ألسنٍ تلوك بهم.
ننتظر منهم بيانًا فيما اتُّهموا فيه.
فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
ليث التل
تعليقات
إرسال تعليق