مقابلة صحفية مع السعداوي الكافوري/ مجلة الرسالة الكندية

 _


_ ماذا عن نشأتك الاجتماعية ومصادر تكوينك المعرفي وبمن تأثرت من الكتاب؟

نشأت في بيت علم وأدب وكان والدي طارق التل الذي توفي في الروضة الشريفة في المدينة المنورة، كان يجمعنا ونحن صغار ويقرأ علينا من كتاب وحي القلم للرافعي وكانت مكتبته كبيرة فيها من الكتب في كافة المجالات الأدبية والاجتماعية والسياسة والاقتصادية مما شكل لنا معينا من المعرفة أوجدت عندي وعند إخوتي رغبة في القراءة والكتابة، فكان منّا ثلاثة كتّاب من أصل ثمانية أولاد، ولكن مشاغل الحياة والدراسة والعمل حجبت هذه الطاقة الكامنة داخلي حتى أذن الله لها بالظهور قبل تسع سنوات إذ كان لا بد لهذا الزخم من الظهور؛ فظهر في ثلاث روايات والرابعة تحت الطبع؛ آخر الرجم، تراتيل الخلود والفناء، قمر حران، والجديدة عن الإمام البخاري (رجل الثريا) رواية تاريخية تتحدث عن الإمام البخاري وصحيحه.

تربع مصطفى صادق الرافعي على عرش أساتذتي في الكتابة والمنفلوطي والعقاد بعده وكلهم من مصر الحبيبة، ووليد سيف من فلسطين، بالإضافة إلى الكثير من الكتاب العرب والعالميين.

_______________

__القارئ لأعمالك الإبداعية يدرك منذ الوهلة الأولي أن لديك ولعا مدهشا بحياة البسطاء والمهمشين ... فما هو السبب في هذا الولع وهذا الاهتمام؟

كنت منذ صغيرا أتعاطف مع الضعفاء الذين لا سند لهم، ورثت ذلك عن والدتي التي كان يضرب المثل بطيبتها وانعكس ذلك على مقالاتي اليومية التي كنت أكتبها وظهر ذلك جليا في رواية تراتيل الخلود والفناء التي حكت قصة الأمم المغلوبة في سعيها لتكون أمة غالبة بما يتضمن ذلم من مشاهد لمعانة البسطاء والمهمشين الذين زادتهم هزيمة أمتهم بؤسا إلى بؤس ورسمت لهم من خلال دراسة سنن اجتماع البشر كيفية النهوض على الصعيد الشخصي وعلى صعيد حضارتهم المهزومة، أوردت في الرواية مشاهد شديدة القسوة عن معاناة هذه الطبقة من الناس.

________________

__ ماذا عن علاقتك بالحركة النقدية وهل تشعر أن إبداعاتك قد نالت اهتمامًا نقديا يليق بها؟

في اعتقدي يجب على الكاتب والراوي أن يتحرر من اعتبارات النقد التي قد تكون مقيدة لإبداعه، ويجب عليه أن يطلق العنان لقلمه الذي سيترجم ما في نفسه وقلبه من مشاعر وأحاسيس عاش بعضها ورأى بعضها الآخر من خلال تجارب الناس، ثم هو يُعمل ما رسخ في عقله من فكر وعقيدة، فما الرواية إلى سيلان عاطفة وتدفق فكر، ثم هو بعد ذلك يعرض نتاجه على عالم النقاد الذين يمثلون حراس الصنعة، فيجيزون ويمنعون، وربما فاق الكاتب القيود بإبداع غير مسبوق في فن الرواية التي هي الفن الهجين في عالم الأدب، أو أن يلزم حده إن هو فشل المرور من معاير النقد وكان نتاجه ضعيفا لا يصلح للنشر.

________________

__ ثمة تقارب وتشابه مع موضوعات وتكنيكيات قصصك لموضوعات، بل وأفكار لشعراء لا يعالجها إلا الشعر فما السر في هذا وهل ترى أن السرد يعد صالحا لممارسة هذا الدور؟

أصبحت الرواية هذه الأيام هي ديوان العرب رغم تحفظ الكثير من النقاد والشعراء على هذا التوصيف وهو أمر ما زال تحت الدرس والنقاش، ولكن لا شك أن الشعر هو أعلى تجليات الكلمة والحرف في الوصف والتعبير عن النفس، أحب سماع الشعر كثيرًا خاصة الشعر العربي القديم ولكنه لا أتقنه، ومع ذلك فقد وصف كثير من النقاد أن لغتي في الرواية تميل إلى اللغة الشعرية، فهي بلا شك تضيف على النص بعدا أصيلا لا تستغني عنه وأنت تكتب بلغة العصر، فالمزج بينهما حسب نوع الرواية والمراوحة هي من التقنيات التي تغيب عن الكثير من الكتاب الشباب هذه الأيام، فلا بد لمن يكتب أن يحيط باللغة من طريفها، ليكون نتاجه الأدبي تحفة فنية لا مجرد رصف أحرف وكلمات.

______________________ خلال حياتك تنقلت وزرت أكثر من قطر عربي، بل وأجنبي أيضًا فما هي تجليات تلك الرحلات في انتاجك الأدبي؟

لعل رواية آخر الرجم كانت التجلي الأكبر لتأثير السياحة والرحلة على نتاج الكاتب حيث دارت أحداثها في كل من تركيا ويوغسلافيا سابقا وروما ومكة المكرمة وعدة مدن من بلاد الشام، حيث أن الكتابة عن المكان تكون أصدق عندما تعيش فيه وتراه بأم عينك فيقع في وجدًانك مشاعر لا تتأتى من الكاتبة عن بعد، ولكن مع تطور وسائل التواصل بين الشعوب وانتشار الوثائقيات والتقنيات المعاصرة تسهل على الكاتب الوصول إلى أي مكان في العالم والتماهي مع المكان وعادات الناس وتقاليدهم، أما في مجال الرواية التاريخية، فإن العودة إلى الحواضر والمدن التي تكتب عنها من خلال الغوص في كتب التاريخ إذا أضيف إليه عزلة أثناء الكتابة فهي من الأمور التي تساعد الكاتب على تقمص شخصية من يكتب عنه خاصة إن رافق ذلك استخدام علم النفس في تحليل شخصيات أبطال الرواية من خلال قراءة كل صغيرة أو كبيرة عن حياتهم والعيش بشخصيتهم وطباعتهم ومعرفة ما يسرهم وما يغضبهم يساعدك على كتابة المشاهد المتعلقة بهم بحرفية عالية.

___________________

__ في ظل التفكك الذي يضرب الوطن العربي وحالة الوهن التي يعيشها العرب من المحيط الي الخليج كيف تري القاهرة وما هو انطباعك عنها كحاضرة للثقافة ومنارة للمعرفة على مدى التاريخ؟

سأجيب عن هذا السؤال من خلال ما كتبته في رواية قمر حرّان التي تكلمت عن فترة زمنية مهمة من تاريخنا كانت فيها عاصمة المماليك القاهرة هي عاصمة الدنيا حينها وكانت ممالك الأرض السبعة حينها ترنو القرب منها طمعا وتخشى إغضابها فرقا منها وخوفا، تتكلم الرواية عن فترة السلطان الناصر محمد بن قلاوون وصراعه مع دولة مغول فارس وكيف انتصر عليهم في معركة مرج الصفر وعن علاقته بشيخ دمشق ابن تيمية وسلطان المغول قازان وعن النهضة العمرانية والعلمية التي تميزت فيها دولة المماليك، كل ذلك يشكل نموذجا حيا للقاهرة التي كانت وستبقى عاصمة الدنيا.

____________________

__في روايتك رجل الثُّرَيَّا، تجعل الإمام البخاري يقول بصوت المونولوج الداخلي:

«شاهرًا قلمي بوجه جنكيز خان قبل ولادته بأكثر من مئتي عام، لأُحيل ما هَدَم إلى هَدْم، ولأُخرّب ما خرّبه، وأُبقي ما كتبته من هدي أحمد يمحو آثاره وآثار من سيأتي بعده»


هذه الجملة وحدها كافية لإقلاق النوم، فأنت تقول إن الكلمة المكتوبة تسبق الدمار وتهزمه حتى قبل أن يُولد من يُدمِّر. فإذا كان هذا صحيحًا في زمن البخاري، لماذا لا يبدو صحيحًا في زمننا؟ أين «جنكيز خان» عصرنا؟ وأين قلمه؟«جنكيز خان» الذي كتبت عنه في الرواية لم يكن يحمل سيفًا فحسب، بل كان يحمل ياسقًا، أي دستورًا، أي منظومة قيمية بديلة تريد أن تحلّ محل ما بناه البخاري. وهذا بالضبط ما جعل صِدام الرجلين في الرواية مثيرًا رغم أن بينهما مئتَي عام من الزمن: إنه ليس صدامًا بين شخصين، بل بين مشروعَيْن حضاريَّيْن.

في الرواية، البخاري يقول:

«ولدتُ بين لحظتين شأن الخالدين؛ لحظة فتح بخارى ولحظة سقوطها بيد التتار»

وهذه الجملة التي قد تبدو تاريخية بامتياز، هي في جوهرها سؤال موجَّه لنا نحن، أبناء القرن الحادي والعشرين: أنتم أيضًا وُلدتم بين لحظتين، فأين أنتم منهما؟

أما «جنكيز خان» في زمننا، فهو ليس اسمًا ولا جنسيةً ولا أيديولوجيةً بعينها. إنه ذلك الصوت الداخلي في كل أمة تُصفّق لمن يهدم تراثها وتسمّي ذلك تحديثًا، وتسكت عمّن يُشرِّد مثقفيها وتسمّي ذلك نظامًا. البخاري في الرواية لم يُطرَد من مدينة واحدة، طُرد من أربع، ولم يتوقف. ولم يصمت. ومات وحيدًا في قرية اسمها «خرتنك» لا تعرفها معظم الخرائط، وبقي كتابه ألف ومئتي سنة.

القلم الذي يهزم «جنكيز خان» لا يكتب للتصفيق، يكتب رغم الطرد، ويكتب رغم الوحدة، ويكتب وهو يعلم أنه قد يموت قبل أن يرى أثره. البخاري في الرواية يقول في آخر أيامه:

«يَخلدُ ما كتبتُ في الورى ويفنى ما مكروا»

وقالها وهو طريد شريد، لا وهو على كرسيّ السلطة. الكلمة التي تُكتب من موضع القوة نسيها التاريخ، والكلمة التي كُتبت من موضع الطرد والمنفى، تلك هي التي بقيت.


لعلّ هذا هو جواب سؤالك: القلم الذي يهزم الدمار موجود الآن، لكنه غالبًا في يد من نُسمّيه مطرودًا أو هامشيًا أو خارج السياق. والتاريخ، كما علّمنا رجل الثريا، لا يُنصف أصحابه في حياتهم.

مجلة الرسالة الكندية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

«حين انتصر شات جي بي تي لأم طارق»

رواية رجل الثريا الإمام البخاري

عماد الدين مهندسا