المقدمة
إنما يكتب الكاتب مقاله ويبثّ خواطره يوم يجد لها في الفضاء متّسعًا، وللآذان مسمعًا. أمّا عندما تُصَمّ الآذان وتعمى الأبصار خضوعًا لمقصّ الرقيب، وخوفًا من سيف القانون، وتأليهًا للفرد، واتباعًا للموروث، فتكون كتابته كالكلمات المتقاطعة؛ المعنى فيها منثورٌ في الطرقات ومختبئٌ بين الأسطر. يحسب فيها القلم ألفَ حساب قبل أن يضحّي ببعض رصاصه، ليكون وليده غير المكتمل على الورق، وقبل أن يصبح الكاتب سجينها في الواقع.
وما هذه المقالات والخواطر إلا تلك الكلمات المتقاطعة؛ راوحت فيها بين الأسلوب الأدبي الرزين والمقال المبسّط الساخر، وانتصرت فيها لثوابت الشرع والدين، ونثرت فيها رأيًا في الأحداث، ونقدت فيها الواقع. وحتى لا تكون كلماتي مجرّد لعنٍ للظلام، تركت بين الكلمات فسحةً من الخيال للقارئ، يستنبط بذكائه البديل والحل. لم أجامل فيها ولم أداهن أحدًا، فكانت سببًا في القطيعة مع كثير من الأصدقاء السابقين والأحباب المقرّبين؛ قطيعة لم أطلبها ولم أسعَ إليها، لكنها كانت قدرًا لا بدّ منه، ضريبةً للكلمة ومهرًا للصراحة.
ولعلّك، أيها القارئ، إن أحببت مطالعتها، أن تضع ما ورثته جانبًا، وأن تحطّم ما عبدته صنمًا، أو أن تتركها؛ فذلك لك أسلم، ولأذني ألطف. فلا حاجة لك إلى تعكير مزاجك، ولا رغبة لي في سماع المزيد من السباب والشتائم.
عمدت في هذه المدونة إلى نقل المقالات بتصرّف يسير، مرفقةً بتواريخ نشرها، وأقدّم أحيانًا بين يديها مقدّمة بسيطة، إن اقتضت الحاجة، تبيانًا لسبب نشر المقال أو توضيحًا لملابسات كتابته. وأرفقت ببعضها نقاشاتٍ تبعتها، رأيت نشرها رفعًا للالتباس وتوضيحًا للفكرة.
أسأل الله أن ينفعني وإياكم به، وألّا يعكّر لكم به مزاجًا، ولا ينغّص عليّ به عزلةً أعيشها.
ليث التل
تعليقات
إرسال تعليق