"كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"

 مضت سنة الله في الابتلاء منذ خلق آدم عليه السلام وحتى يومنا هذا "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ"، مردّ ذلك أن الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة التي نأت عن حملها السموات والأرض والجبال، فكان ظلوما لنفسه بإرهاقها، وجهولا لم يدرك تبعات هذه الأمانة، ويكون هذا الابتلاء بقدر المكانة التي أرادها الله لعباده، فمن علت منزلته اشتد الابتلاء عليه حتى يظن أنه هالك، لولا لطف الله به يتغمده برحمته ويَمّد له الأمل فَسِيحا.

كل الناس يزعم مكانة يظن نفسه أهلا لها، ولو تُركوا لهذا الزعم وتلك الأماني، لوجدت البشر كلهم ملوكا وأولياء، فيعركهم الابتلاء ليعودوا إلى مكانتهم الطبيعية، فكم رسم الواحد منهم في أحلامه بطولات وكم تمنى على الله في ذلك أمنيات، تسيح أحلامه في ميادين الفكر وساحات الوغى وهو لم يغادر أريكته التي ملّت من طول اللقاء.

وحتى في سوح الوغى لا يتركه الشيطان حتى يُخَيِّلَ له أنه فارس تلك المعركة ورجل هذه المرحلة ومفكر هذه الأمة، ليحرفه عن تجرد هو به أولى، ونية يجب أن تتصفى، وفي أعلى الهرم، هرم قيادة الأمة وسيادة تمثيلها، لابد من تمايز لكي لا يبقى على قمتها إلا مُخَلِّصٌ واحد، هو من اجتباه الله ليكون الأفضل، والله وحده حسيبه، فهذا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام اختار معه (ثاني اثنين) الصدِّيق خير من وطئ الثرى بعد الأنبياء رضي الله عنه في غار ثور أعلى الهرم، فينزل عليهما الابتلاء، فيحدث التمايز بين النبي المصطفى وبين القائل "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ, أَبْصَرَنَا"، فرد عليه المتفرد أعلى الهرم عليه الصلاة والسلام "يَا أَبَا بَكْرٍ, مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" بأبي هو وأمي، وكذلك يوم لحق فرعون بموسى عليه السلام وأدركه عند البحر وأحاط ببني إسرائيل من كل جانب، فتساقط عن قمة هرم الإيمان بالله والثقة به أغلب من معه، "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" وصمت القرآن عن موقف هارون عليه السلام، ليتفرد موسى كما تفرد محمد عليهما الصلاة والسلام على قمة الهرم دون منازع، وليقول الكلمة الخالدة التي تنبئ بعمق الإيمان والثقة بالله:

كلا

كلا ... كلا يا قوم لم نهزم يوم غار ثور، ولم نهزم يوم الأحزاب، ولم نهزم يوم حنين، ولم نهزم في فلسطين، ولم نهزم في سوريا ولا في مينمار.

كلا ... فالظنّ بالذي تُقَدَّم بين يديه الأضاحي من الشهداء في كل مكان على وجه البسيطة، أنه هو البر الرحيم ولن يخلف وعده، وله وحده الفضل والمنة.

كلا ... لا بد منها حتى يميز الله بين الخبيث والطيب وبين الطيب بعضه من بعض، ليبقى على رأس الهرم آخر الزمن من هو أهلها وفارسها.

ليقول لكل من حوله من يهود العرب ويهود اليهود، بعد أن يأخذ ما استطاع من أسباب الغلبة ويبذل وسعه في الإعداد ... كلا

" كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ"


ليث التل

11 رمضان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية تراتيل الخلود والفناء

رواية رجل الثريا الإمام البخاري

رواية قمر حران الشيخ والسلطان