خوار السامريّ
دأبُ ابن آدم مُنذ القدم، كفرٌ بعد إيمان، وتجسيد بعد توحيد، الأسباب أقرب إليه من المُسبِب، يؤمن بالأثر الذي تراه العين أكثر من إيمانه بما وراء الأثر ومسببه، جُل الناس لا يؤمن بالقرآن والأحاديث إلا عندما يرونها واقعا يتمثل على الأرض، وقليلٌ منهم يؤمن بها وينفق ويقاتل لأجلها قبل أن تكون واقعا، آمنوا بالله وما جاء من عنده كما هو؛ أسطر بين دفتي كتاب، لا يستوون، أولئك يستمدُّون إيمانهم من الأشياء والماديات، وهؤلاء حَبْلهم بالله موصول، يُترجمون آياته إلى وقائع وأشياء، فهم مَنْ اللهُ بهم يُباهي، وقصصهم حديث الملأ الأعلى، ولوجودهم وأنفاسهم تاقت أشياء الأرض وخلائقها.
استخفَ فرعونُ قومهَ، ونصَّب نفسه عليهم إلهاً، كَذَبَ فصدّقوه، فصدَّقَ نفسه، وفي اليم ولجَ فاتبعوه، جازاه ربهُ جزاءَ المنازع لله سلطانه، فأخذه أخذ عزيز مقتدر، لكن عُبَّاد المادة والأشخاص لم يُصدِّقوا، ونبيهم موسى جادلوا، وكما آمنوا من بعد بالعجل جسداً له خوار، آمنوا من قبل بفرعون إلها ذا أوتاد، فكيف له أن يموت؟! "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ"، يُورد ابن كثير في البدايةً والنهايةً أن بني إسرائيل لم يُصدقوا أن فرعون مات غرقا، فنجَّاه الله ببدنه وأخرجه لهم يطفو على سطح البحر جسدا بلا روح، فصدَّقوا ما رأت أعينهم، فمؤمنو الأشياء والأجساد هؤلاء أُشربت قلوبهم العجل من قبل ومن بعد، فما أن أخرج لهم السامريّ جسدا له خوار آمنوا به من جديد وخروا له سُجَّدا.
عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن!" رواه البخاري (ما غيره) ودخل جحر الضب هذا خلقٌ كثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فآمنوا بالأشياء وآمنوا بالحضارة الغربية وإنجازاتها المادية إلها من دون الله جسدا له خوار، ورغم أنها الآن تغرق في وحل خرابها؛ إلا إنهم لم يكفروا بها بعد، ولن يكفروا بها إلا عندما يتحق قوله تعإلى فيها " .. انْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا"، ولن يكفر عُبَّاد الأشياء إلا عندما يروا عِبَادُ رب الأشياء ينسفون أشيائهم في اليم نسفا ... فتطفو على السطح بدناً بلا روح وجسداً بلا خوار، وقل عسى أن يكون قريبًا.
إن عُبَّاد الأشياء لا يزالون ينظرون إلى الحضارة الغربية وعلى رأسها أمريكا نظرة المهزومين، ولم يروا بعد ما حل بها، وستبقى خياراتهم تدور في فلك إرضائها وتقليدها، وهذا سيَجُرّ المنطقة إلى مزيد من الويلات، ولعلها حكمة الله ليمهد الطريق نحو المخلِّص المنتظر، وكما جعل الله من قبل يوم بُعاث (حرب الأوس والخزرج قبل قدوم محمد عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة) وويلاته، يوما قدّمه الله لرسوله وللمسلمين، فكذلك يثرب اليوم تتزين بعد تعب وشعث، لتغدو المدينة المنورة.
يقول أحدهم :" قد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده و ضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يظل الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية "
لقد تمهدت الطريق للطرف الوحيد (الإسلام) الذي يملك نظاما ورسالة ربانية واضحة فيها نجاة البشرية وخيرها مفادها مقولة ربعي بن عامر المشهورة "الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه"، إنه طرف آمن برب الأشياء ورب الأسباب، آمن فسلم، تلقى لِيُنَفذ، لم يتسلل عن أمره لواذا في معارك جانبية تشكك الناس في دينهم وفي سنة نبيهم، يقول سيد قطب: "ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عارفا بالحق الذي معه، معرفته بالباطل الذي عليه الجاهلية في الأرض كلها يومذاك، وكان واثقا من أن هذا الحق لا بد أن ينتصر على هذا الباطل. وأنه لا يمكن أن يوجد "الحق" في صورته هذه، وأن يوجد "الباطل" في صورته هذه، ثم لا يكون ما يكون! كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها، بحيث لا يصلها ري ولا سماد، كانت قد خبثت بحيث يتحتم أن تُجتث، وكانت البذرة الطيبة في يده هي المعبأة للغراس والنماء، وكان واثقا من هذا كله ثقة اليقين."
فالله الله في دينكم بشِّروا به ولا تُنفِّروا، اعرضوه على الناس كما نزل من عند رب العالمين دون نقص أو زيادة، آمنوا به دون تشكيك أو تأويل فاسد، اتبعوا آيات قرآنه وما ثبت من أحاديث نبيه دون هوى نفس أو فلسفة عقل، فهو (المخلِّص المُنتظر) فلا تأخذكم به لومة لائم.
ولمن أعرض عنه وأبى أقول: "أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، فلا والله، لن يحيف الله عليكم ورسوله، بل هو عزكم في الدنيا ونجاتكم في الآخرة.
ليث التل
الأول من رمضان
تعليقات
إرسال تعليق