المشاركات

كل أصفر فيه أزعر

 أصابعه المرتعشة ربما تسعفه في هذا السن المُتأخر على قيادة سيارة التكسي، وربما تساعده على تدبر أموره الشخصية، والأكيد أنه استطاع بها مداعبة شعر بُنيته الصغيرة، آخر العنقود بعد تزويج ثلاث قبلها، وأربعة أولاد دَرَّسَ بعضهم ومنهم من ينتظر، لكنها لم ولن تسعفه كما قدرًاته الذهنية؛ في استخدام تطبيقات التكسي الذكي، التي لا زال ابنه الأصغر يُعلمه عليها مذ ظللت أوبر وكريم بكرمهما عِلْيَة القوم، فأمطرتهم بثروة جديدة، تضيف رقما جديدا إلى الملايين التي لم تعرف طريقها إلى رعاع الناس وعامتهم قط. كان يُصانع أهله أنه أتقن استخدام التطبيق المتجدد، مُطمئنا إياهم بمواكبته لسنة الحياة في تطورها وتبدلها؛ وأنه لا زال قادرا على توفير حياة كريمة، في حدها الأدنى كالأيام الخوالي، ولكن قلقهم عليه وتفتيشهم وراءه، كشف كذبته البيضاء، بعد أن ذهبت طلباتهم إياه عبر التطبيق الذكي إلى غياهب النسيان، ولم تقنعهم تسويغاته بانتهاء شحن الخلوي أو ضعف شبكة الاتصال. تذكر أباه الذي حلَّت به الأيام مكانه، مبررا لنفسه؛ مضيفا إلى ترسانة مصطلحاته التي يُنَظِّرُ بها على ركابه، حكمة جديدة : (اللي قبع قبع واللي ربع ربع) وأنه (ما طا...

فأحسن لقاءها

 تاقت نفسه إليها، توق الطيور المُهاجرة إلى أعشاشها، خيطٌ أثيري لا ينفك يُلازم الطيور ويُلازمهُ، يمتد لآلاف الأميال يشدُّها إلى مسقط رأسها، وكما سيُعيده ذاك الخيط يوما، تعود الطيور بعد أن تقضي وطرها بعيدا عن مُبتدئها ومُنتهاها، فما هجرتها إلا استراحة مسافر استظل ثم مضى، وهو مُستظلٌ بعدُ، وما مضى. كان الناس ينظرون الشروق، واعتاد هو مذ أبصر، أن يُعطي الشمس ظهره كل صباح، يتسلل من بينهم تسلل مُخفي العبرات أن ينتهك أحدٌ حرمتها، وما أن يفصله عن رق الأصدقاء بون، وعن صخب الكون شط، حتى يختلي بشجرته التي كان يُظلها صغيرا، فأمست تُظله كبيرا، سقاها دهرا دموع عينيه، ورعاها زمنا كد يديه، يُيَمِّمُ وجهه غربا، يجلس في حضن شجرته التي مهدتها سنون، ويَنعمُ بأُنسها الذي نسجته شُجون. يُطيل النظر كل صباح، علها تأتيه من يومه أو غده، ورغم بعد الشقة، إلا أنه مدَّ أمله فسيحا في انتظارها، سَميرتهُ شجرتهُ، صَلُبَ عودهما تناغما، وأينع عطاءهما توافقا، فظللت أوراقها المستظلين، وروى هو بماءه العابرين، فكانا رفيقا درب وشريكا مصير. لم يلتفت لتعدد الأراء في وصفها، وأيقن أنها الكمال، كتمام البدر في سطوعه، هم؛ في غيهم ...

وأزهر الخريف

كان التقاء شَقَّيها محتوماً، فكانت بُشرى حياته، نُسِجَ بعثها مُذ قال الودود الرحيم : "ألست بربكم"، غَنَّت الورودُ لقدومها، وعَطَّرت الأجواءَ أنفاسُها، قبل إحدى عشر ربيعا وخريف واحد، ولدت، فكانت منه بمثابة الروح من الجسد، وكان منها بمثابة الشجر إلى الظل، وهل للروح مستقر ٌ إن لم تطف بجسدها، وهل للأنام مُستظلٌ من كَدِّ الحياة إن فارق ظل الشمس شجرها. خبأ الخريف حَتَّ أوراقه وتساقطها عن ربيعها لموسم الأخذ بالمظنة، فداهم ظل أبيها الوارف، وكورق الخريف تساقطت عبراتها، وكَقِرَبِ السماء المُمسكة عبر الأيام كَظَمَ هو عبراته، تباعدت الأجساد، فأمست هائمة الروح سارحة النفس، لا تستقر إلى مستودعها إلا في دقائق زيارتها الأسبوعية، حيث لا ضوء هناك آخر النفق، فما بُنِيَ على الظن فهو إلى الشك أقرب، فلا زهر في آخر خريفه يُنتظر، ولا يقين بموعد أُفوله يُرتجى. زجاج عنابر الزيارة في السجن كالحلم، يفصل بين عالمين ويحول بين مُتَحَابَّيْن، ففي الحلم ترى عزيزا عليك مات منذ زمن، يَتَفَلَّتُ طَيْفُهُ من بين يديك، تستيقظ على حقيقة وجوده هناك وراء البرزخ، ومن وراء الزجاج تتلاقى المُقل المُتلألئة والقلوب الملت...

ينظرن مذهولات

 هناك حيث  تَماثلت خيالاتهنَّ كالأشباح في البرزخ المُسمى عنبر الزيارة، وقد تناهى إلى مسامعهنَّ الغضة، أنه في سجنه قد جُنَّ. يَنظُرْنَ مذهولات أذاك الشارد في غياهب التيه ... أبونا!! أذاك المُتعري أمام الناس ... حبيبنا!! أصيحة الموت في ليل السجن البهيم صوتك ... روحنا!! يتأخرن ... وتتقدم الصغرى أنا بُنيَّتك ... بابا انظر في عينيَّ علَّك تعود لامس راحة كفي علَّك تصحو أنا المفضلة لديك ... أتذكر لمن تتركني؟ للحزن أكابده طيلة عمري أم لذكراك الأليمة تقتلني إنه قهر الرجال ... أبي إنه ذهاب براءتي ... يا تاج رأسي حسبي الله ... حسبي الله ونعم الوكيل جعلك الله فتنة للذين ظَلَموا وتذكرة للذين ظُلِموا أن فضله على هؤلاء في العاقبة كبير وأن قوله على أولئك " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ " ماضٍ مُتحقق فانتظر روح قلبي " إِنَّا مُنتَظِرُونَ " فَ " السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ " ليث التل

حريتهم وحريتنا

 اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة، أنت الغني عن عبادك، لا تُريد بهم إلا خيرا، ونحن الفقراء إلى رحمتك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، ولا هدي إلا هديُكَ، عَرضتَ الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وحملناها نحن، فَسَيَّرتَ الكون على أمرك لا خيار له، فانتظم أمره انتظاما بديعا لا خلل فيه، وكان ذلك هو سجود المخلوقات وتسبيحهم وانقيادهم لك، ما رأينا في خلقك من تفاوت، وأرجعنا البصر مرات ومرات ولم يكن هناك من فطور. وقبلنا نحن الأمانة، فَأَخْلَفْتَ آدم في الأرض وذريته من بعده، وأعطيتهم الخيار وحق القرار، وهديتهم النجدين، وبَيَّنْتَ لهم طريق الحق وطريق الباطل، وأرسلتَ رُسلكَ بالإيمان بك، والكفر بكل ما يُعبد من دونك، وثنا كان أو فكرا، عجلا كان أو ابنا؛ تكاد السماوات يتفطرن من عبادة البشر له، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، فما ينبغي أن يكون لك ولدا، وما ينبغي لأحد أن يكفر أو يُشرك بك. وما ينبغي لأحد أن يعصيك أو يتمرد عليك. وكانت سُنَّتكَ في الغابرين عذاب الاستئصال إن هم كفروا بك، بالطوفان أو الصيحة أو الحجارة والريح، ثم أكملتَ - وأنت الأعلم والأحكم وحاشا لنا أن نتكلم بما لا نعلم - مها...

حرية مزعومة

 بدي مساعدة من صديق مش قادر أفهمها!! لو أن حاكما قال لشعبه لكم حرية الآنتماء إلى أي حزب تريدون، وبعد أن اختار كل واحد حزبه، قام بسجنهم ومعاقبتهم باستثناء من اختار الحزب الحاكم ..... هل هذه حرية أم ضحك على اللحى؟؟؟؟!!!! ولله المثل الأعلى فهل هي حرية تلكم التي يقول الله فيها "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" أم أنها التهديد بعينه لمن يكفر كما تفيد آخر الآية "إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا" فأي حرية تلكم التي يُهدد فاعلها بالويل والثبور؟ فيا دعاة الحرية أنتم أحرار بخزعبلاتكم ولكن لا " تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" ليث التل

عِجل صويلح المُقَدَّس

 تفاجأتُ به يفتحُ البابَ يلبس نفس بدلة الرياضة التي ألبسها، تبادلنا ابتسامات تحمل في طياتها المثل الشعبي (دافنينو سو). سَلَّمْتُ الأمانة لِعَدِيلي ومضيت إلى زوجتي التي أصرت أن التشابه في بدلات الرياضة هو محض صدفة، ربما يكون مردها جينات مشتركة بينها وبين أختها جعلتها تشتري لزوجها نفس ما اشترت هي لي، وأقسمتْ أيمانا مغلظة أن ليست هناك مؤامرة كونية ضد النسايب وراءها آل العقاد، متناسية أن عَدِيْلَيَّ حضرا ذات مساء عشاء عمل في السعودية - دون تنسيق مسبق - كل يُمثل شركة مختلفة ... بنفس القميص، وأن أطقم الطربيزات وأطقم الكاسات والفناجين هي نفسها عند كل العدايل. اجتمعنا ذات يوم (العدايل الأربعة) وقررنا التمرد بعد اكتشافنا - المتأخر - أننا مُسَيَّرون من حيث لا ندري، وأن بُطُوننا أُشربت من نفس العجل الذي تبيعه ملحمة المدينة في صويلح، حيث كان يقطن حماي رحمه الله رحمة واسعة ... وهاي وجه الضيف، ذهب ربيع ثورتنا أدراج الرياح، ولا زلنا لغاية هذه اللحظة نضرب أكباد الإبل مرة في الشهر إلى صويلح حيث ملحمة المدينة لشراء لحم عجلها الذي لم تلد البقر مثله حسب زعم آل العقاد الكرام. هل هي العادة أم القابلية ل...